لماذا ستفشل تمرد ؟ بقلم الدكتور حسام الشاذلي ...

لماذا ستفشل تمرد ؟ 
بقلم الدكتور حسام الشاذلي ..... 
 
قضيت أياما وليالي أحاول أن أتطرق فيها بالتحليل والتفكير لماهية حركة تمرد التي ظهرت مؤخراً في الشارع المصري ومحاولا الإجابة علي عدة أسئلة تجتاح كل مقابلاتي التلفزيونية وأحاديثي الصحفية وعلي رأسها ماذا سيحدث يوم ٣٠ يونيو وهل ستكون مصر كما هي بعد هذا اليوم ، أم أنه سيكون يوما فارقا في تاريخ البلاد والعباد ؟ ما حقيقة الأمر وماهي الإحتمالات ؟ ما هي فرص نجاح هذه الحركة وفرص فشلها ؟ ما هو موقف الشارع المصري والمصريين ؟ هل هي بداية لمواجهة بين المؤيدين والمعارضين ؟ وهل يمثل يوم ٣٠ يونيو ثورة جديدة وما هي حقيقة هذه الثورة؟ 

ولكي أمسك بطرف خيطي الفكري المكرور  وأري الموقف بعين التحليل المحايدة فقد بدأت من حيث إنتهيت متسائلا هل حركة تمرد تمثل تغييرا جذريا أو محوريا  في هيكل معارضة فاشلة وغير ناضجة ؟ معارضة لم أرها يوما قادرة علي إقناع الشارع أو طرح حلول بديلة أو إحراج الحكومة ومؤسسة الرئاسة وإرغامهما علي الإنصات والتغيير في ظل كم كبير من الأزمات والمؤامرات في الداخل والخارج وفي ظل متغيرات سياسية كانت لتصنع من أهون المعارضات قوة سياسية وتمكن لرموزها من مشاركة فاعلة في صنع القرار وإدارة البلاد لو أن بهم أمل أو يمكن أن يعول عليهم بعمل !  ولكن يوما بعد يوم تثبت لنا الأيام وتؤكد لنا الأحداث أننا أمام معارضة هلامية الهيكل والمحتوي ، غير ناضجة ولا قادرة ، عجوزة تشيخ يوما بعد يوم ، لا تقدم بديلا ولا تطرح حلولا ، 

ولكي نجيب علي السؤال ونطرح الجواب ، فلنعي أن حركة تمرد إنما تتشكل من فئات متعددة تحمل في طياتها فصيل من شباب ثوري  حر شريف ومواطنون كادحون لم يستطع النظام الحاكم أن يشاركهم الرؤية أو أن يحتويهم في هيكله أو حتي أن يمنحهم حق المشاركة في البناء  ، فاض بهم الكيل من ضيق العيش وأزمات الماء والكهرباء وتحطمت آمالهم قبل أن تولد في ثورة تضمن لهم العيش والحرية والعدالة الإجتماعية ، محاصرين علي مدار الساعة بالفساد والمفسدين وإعلام المنتفعين وفلول نظام قديم و هؤلاء الشرفاء يمثلون شريحة بسيطة وعدد قليل ممن قد يشارك في حملة تمرد أو يدعمها أو يخطط للنزول في ركابها في ذلك اليوم المنتظر ، 

أما صلب الحركة وعتادها وعدتها فهو وللأسف الشديد قائم  علي فلول النظام القديم بمؤسساتهم وأتباعهم الذين ظهروا في كل مكان داعمين للحملة وموزعين لأوراقها ، حتي أننا رأينا ولأول مرة أعضاء الحزب الوطني  المنحل وأذنابهم يظهرون في شوارع مصر مرة أخري داعمين لتمرد ومتقدمين لصفوفها ، أضف إلي ذلك هؤلاء الذين إتخذوا من المشروع الإسلامي عدوا لهم بكل أشكالهم وتصنيفاتهم التي ظهرت جلية بعد الثورة وهم ليسوا معنيين بالمشروع الديمقراطي أو غيره ولكن جل هدفهم وغاية أحلامهم هو القضاء علي ذلك المشروع الإسلامي بكل صوره لأنهم يروا فيه وبكل قوة قضاء علي وجودهم وأشكال حياتهم و منهم نري العلمانيين والإشتراكيين والآناركيين والملحدين والأقباط المتطرفين وكذلك نري منهم  من يعتصم أمام وزارة الثقافة مختزلين مصر الحضارة والإبداع في مخرجين وممثلين لم يقدموا لمصر في عشرات السنين إلا أفلام العري وقصص الفساد والتي شوهت أفكار أجيال وأجيال ، ولقد نأي الشرفاء من مثقفي مصر أن يتخذوا من غطاء اليسار والشيوعية  والعري والدعارة منبرا يهاجمون منه كل ما هو إسلامي أو مصري خالص،

يدعم كل ذلك جيش بلطجي منظم يدار من فلول النظام القديم وضباط أمن الدولة المنحل كلا منهم يري حلمه في الإنتقام من مصر الثورة والثوار ويراوده وهم عودة زمن الإستبداد والمستبدين والباشوات والمستعبدين مستغلا خبرة إكتسبها في أحضان نظام فاسد خرب وحرق ودمر علي مر أزمان وعصور  ، 
فقد عرف طريقا واحدا للحياة وللثراء ، طريقا يبني علي أنقاض دماء المصريين وقوت يومهم ، فهي معركة البقاء لكل هؤلاء عاشوا فاسدين ومفسدين لا يعرفون حياة أخري ولا يمتهنون غير الفساد مهنة ، 

أما علي الجانب الآخر فقد حالفني الحظ لأكون من حضور المقصورة الرئاسية في خطاب الرئيس الأخير بإستاد القاهرة لدعم الشعب السوري ،  وهناك رأيت وعشت واقع جد قوي أكمل لي تفاصيل الصورة ورسم لي ملامح مشهدها وواقعها  جلي واضح ، رأيت مصريين شرفاء من كل الفصائل والأحزاب ، من كل الأعمار والإتجهات وقد إجتمعوا علي قلب رجل واحد من أجل البناء والحرية ، من أجل صنع مصر الجديدة ، مصر المستقبل والأمل ، منهم من هو غير راض عن أداء الحكومة ومنهم من هو غير مقتنع بأداء مؤسسة الرئاسة وينقد الآليات ويطلب المزيد ولكنهم جميعا إجتمعوا علي البناء والأمل ، تشعر في هتافاتهم بقوة الحق والعدل وصوت الحرية والثورة ، عندما يتغنون بأغاني الحرية والجهاد تستشعر تلك القشعريرة تسري من جسد إلي جسد تنبع من قلوب آلاف مؤلفة تعي بحق أنهم خير أجناد الأرض بشهادة رب السموات والأرض ، 
تسيطر عليهم تلك القوة الغامضة والإيمان العميق بالفكرة والهدف ، نفس القوة التي يعرفها كل من شارك في الثورة أو إستظل بالميدان في يناير العزة والكرامة ، تلك القوة المحركة التي لم تستلزم ترتيبا لقيادة ولا سيطرة لفرد أو جماعة ، أستشعر ها كما لو كنت فوق منصة التحرير في أيام الثورة ، تلك القوة التي يعرفها  كل ثوار مصر والتي كانت تجذبهم للميدان كما ينجذب الوليد لحضن أمه ، كانت هنا في إستاد القاهرة حيث تجمع الآلاف مساندين لرئيس مصر المنتخب وأملها في التغيير والقضاء علي الفساد ، 

وهناك علي الطرف الأخر أسمع وأري في المساء أبواق الإعلام الشيطاني وأباليس الإنس والجن ينفخون في أتون الفتنة محرضين علي الدمار والخراب مكتحلين بأكاذيب وقصص ومجتمعين علي مؤامرات وطرف ، تري في عينيها حقد غائر وقلب أسود وتستشعر في عينيه وحمالاته بريق الجحيم وختم الشيطان الرجيم ، تتأكد بأن كل ما يقولونه كذب وإفتراء مدافعين عن حياتهم الفاسدة ووجودهم المشؤوم في ملحمة يفتقدون فيها لقوة اللحظة وقدرة التغيير ، 

تلك القوة التي عشتها في إستاد القاهرة ، لا تجد لها وجودا في صفوف حملة تمرد وداعميها ، تلك القوة التي سيفتقدها العدد القليل من الثوار الشرفاء الذين إتخذوا من تلك الحملة ملاذا لهم إلي جانب الفلول والبلطجية وإعداء الدين والوطن ، تلك القوة المحركة والتي لا تنجح بدونها أي حركة ولا ثورة ولا يتحقق إلا بها أي هدف أو حلم ، تلك القوة التي رأيتها تتجدد في أحضان مؤتمر سوريا تنادي كل شرفاء مصر ممن ضاق بهم الحال ولم يروا في الرئيس أملهم أن هيا لنجتمع علي الأمل والبناء ، أن هيا لنكون معولا لغد أفضل وأن لا نكون أداة لهدم مصر أو صناعة الفوضي والدمار ، فلنجتمع لنعترض ولنطلب التغيير من رئيس إنتخبناه وأحببناه ، شهد له القاصي والداني بأنه ليس بفاسد ولا مستبد  ، شهد له أعداؤه بأنه رجل حق وفضيلة وأمل أمة ووطن ، فلنجتمع علي قوة الحق والعدل والحرية من أجل مستقبل أولادنا ومن أجل حياة حرة كريمة ، لنتشارك جميعنا في هذه اللحظة الفارقة ، لحظة ميلاد تلك القوة من جديد ، تلك القوة التي لا توجد ولن توجد داخل تمرد وأعوانها ، ولهذا فحتما ستفشل تمرد ، ستفشل تمرد ، من أجل مصر والمصريين ، ستفشل تمرد من أجل أن يتحقق الحلم ويقضي علي الفساد ،

 ستفشل تمرد لأنها كذبة كبيرة تلبس ثوب الحق وكلها باطل فرئيس مصر يهاجم ويحاصر منذ أول يوم لإنتخابه , إجتمع عليه كل أذناب الفساد منذ اليوم الأول فككوا مؤسسات الدولة و دمروا إقتصادها الوطني , ينفثون سمومهم في أذان الناس وقلوبهم كل يوم وساعة مشككين ومحرضيين , دعاة هدم ودمار حرقوا الأرض وإستباحوا العرض , وفي خضم كل هذا وفي وسط أتون تلك النار وعلي أنقاض ميراث دولة بيعت ونهبت لعقود طويلة نري مشاريع عملاقة يلوح أملها وشركات  دولية تتخذ من مصر مقرا لها , نري محاولات جيدة من رئيس ودولة لكي يعود لمصر دورها الدولي والإقيلمي  , هي تجربة ديمقراطية وليدة تحمل النجاح والخطأ وتتطور بتطور المنظومة الديمقراطية ذاتها , تجمع شمل الأمة علي هويتها الحقيقية فشعب مصر هو شعب ذو دين وحضارة وعلم وقيم , شعب لم تشوه جذوره بعلمانية غربية أو شيوعية شرقية , لن يقود صفوفه مغنيين ومخرجي عري وإسفاف كان الشعب لا يقبل حتي شهادتهم أمام محاكمه في تاريخ ليس ببعيد , شعب يعي التجربة ويتفهم تحدياتها , يعلم أن لب التجربة يكمن في محاولة النظام الحاكم أن يقدم أحسن ما لديه هو ووحزبه , شعب يتطلع إلي ميلاد معارضه بنائة قوية تقدم البدائل وتقوم الحكام والحكومة , شعب متحضر يلتزم بالعقد الديمقراطي للإنتخابات وبالتداول السلمي للسلطة  ليفوت علي كل متآمر أو خائن فرصة إقحام البلاد في فوضي مدمرة تقضي علي كل أمل لبناء دولة ديمقراطية حديثه , ولهذا ولأن هذا هو شعب مصر فحتما ستفشل تمرد ستفشل تمرد من أجل مصر موحدة قوية بشعبها ورئيسها ، آمنة مطمئنة إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ، "قل جاء الحق وزهد الباطل ، إن الباطل كان زهوقا " 


الدكتور حسام الشاذلي هو المستشار السياسي و الخبير الدولي في علم إدارة التغيير , وعضو الهيئة التنسيقية للقوي الوطنية بالاسكندرية , ورئيس القسم المصري بالهيئة الدولية للمفوضيين الدبلوماسيين والتابعة للأمم المتحدة,  و هو الرئيس التنفيذي الحالي  لمجموعة سي بي أي الدولية  الدوليه بسويسرا , أستاذ إدارة التغيير والتخطيط الإستراتيجي بجامعة كامبيردج المؤسسية    العميد السابق للدراسات الابداعيه بكليه كامبيردج , واستشاري اول بمجموعه كاميردج للاستشارات الاستراتيجيه بسويسرا, وهو مستشار وكيل جامعه حائل السابق  والعميد المساعد للتخطيط الاستراتيجي والتنميه ومؤسس مركز التخطيط الستراتيجي والتنميه السابق بحائل بالمملكه العربيه السعوديه,  و هو زميل الجمعيه الملكيه الطبيه البيرطانيه , وزميل الهيئه العلميه للتسويق بجامعه ميامي بالولايات المتحده  و استاذ ادارة التغيير والتخطيط الاستراتيجي بجامعات سويسرا , , وقد عمل الدكتور الشاذلي كاستشاري رفيع المستوي للعديد من الهيئات العالميه والحكوميه باوروبا والشرق الاوسط, تتركز كتاباته وابحاثه العلميه علي تطوير مبادئ اداره التغيير, الابداع المتكامل , بناء الشخصيه الابداعيه وتطوير النظم السياسية , يمكن التواصل مع الدكتور الشاذلي من خلال البريد الالكتروني: helshazly70@gmail.com  

Comments

Popular posts from this blog

مبادرة واشنطن - بين الأمل والسراب وفن صناعة التغيير .....بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير ،

جيم أوفر - Game Over - بقلم الدكتور حسام الشاذلي المستشار السياسي والاقتصادي الدولي

"من عجائب المعارضه المصريه في هذا الزمان - بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، ا