الثورة المصرية ودرس أوكرانيا .. بقلم الدكتور حسام الشاذلي

الثورة المصرية ودرس أوكرانيا ..
بقلم الدكتور حسام الشاذلي 

يبدو أن الدرس الأوكراني قد جاء معبرا وبقوة عن ما تفتقده الثورة المصرية من آلايات وإستراتيجيات وملقيا للضوء علي عوامل النجاح أو الفشل الحالية والمتوقعة ، فعندما يدشن ثوار أوكرانيا إجتماعهم الأخير تحت عنوان حتي لا تتحول أوكرانيا إلي مصر ، نري ما مدي إستيعاب هؤلاء الثوار للدرس المصري ، الدرس الذي وعاه العالم وأشاد به إبان ثورة يناير المجيدة والتي درسها العالم كمثال للثورات الناجحة التي أطاحت بنظام ديكتاتوري قوي ومسيطر حكم البلاد لأكثر من ثلاثين عاما ، 

ولكن حقيقة الأمر وما تشهده الثورة المصرية من أحداث وملابسات يتطلب دراسة متعمقة ونظرة فاحصة للدرس الأوكراني وكذلك لدرس ٢٥ يناير وتوابعه ، 
فلم تكن ثورة ٢٥ يناير لتنجح أول تطيح بمبارك دون حدوث هزة قوية وعنيفة في النظام الأمني للحكم وخاصة في جهاز الداخلية وأمن الدولة ، تلك الهزة التي كانت أبرز معالمها حرق الأقسام في مختلف المحافظات ومواجهات الثوار مع جهاز الداخلية وأمن الدولة في الشارع ،  وحالة الفراغ الأمني التي تطلبت سيطرة الثوار علي الشوارع باللجان الشعبية بعد سقوط الشرطة وهروب فلولها ، 
ولا يمكن للدارس أن يغفل علي أن ثورة ٢٥ يناير قدمت أكثر من ألف شهيد من أعز أبناء مصر قتلوا علي يد جهاز الأمن وأعوانه من بلطجية الحزب الوطني ، فتعريف ثورة يناير بالسلمية هو تعريف عليه ما عليه فطبيعة الثورات الشعبية أنها تطيح بأنظمة فاسدة مستبدة ويصاحبها عنف وقتل ودمار ، 

وتمثل الحالة الإوكرانية نموذجا لشعب رسم خطته ودافع عن قضيته بكل ما ملك من سلاح في مواجهة سلطة أمنية فاشية ، عرف الثوار أنها لن تتورع عن القتل والحرق لتستمر في السلطة وصور الميدان في كييف لا تختلف عن مثيلتها في رابعة ولو أن الثمن في رابعة هو ثمن باهظ لأكثر من ٤٠٠٠ شهيد في يوم واحد ، ثمن لم يحقق به ثوار مصر هدفهم حتي اليوم مقارنة بعدد لم يتجاوز ٤٠ شهيد في أوكرانيا كان كافيا كثمن  للحصول علي حرية أوكرانيا وعودتها لشعبها ، 

وهنا قد يقول القائل بأن المقارنة لا تستوي في ظل مجتمع دولي صامت أمام مذابح المصريين علي أيدي الإنقلاب المدعوم من دول عربية ديكتاتورية تري في الحرية خطر علي ملكها وحكمها وإمتلاكها للعباد قبل البلاد ، نفس المجتمع الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في أوكرانيا لموت أفراد معدودين ، ولكن لكي تكتمل  المقارنة وتتضح الصورة  يجب الأخذ في الإعتبار  أهمية مصر كمفتاح للشرق الأوسط وعلاقة الحراك السياسي بمصر بأمن إسرائيل ، فعوامل التأثير في الأزمة المصرية أقوي وأشد تأثيرا من مثيلاتها في أوكرانيا ، 

ولكن الأهم أن درس أوكرانيا ومن قبله درس ثورة يناير يؤكد أن عوامل النصر للثورات تتحق إذا تمت حسابات الفوز والخسارة وقياس قدرة العدو وإمكانياته بصورة محترفة ورسم سيناريوهات مختلفة لتطور الحراك الثوري ونتائجه ، فالثمن الذي دفعته الثورة المصرية ضد الإنقلاب حتي الآن هو ثمن باهظ بأكثر من ٦٠٠٠ آلاف شهيد وما يربوا عن ٢٢٠٠٠ معتقل و١٥٠٠٠ جريح ومفقود ، وهو ثمن تدفعه الدول في حروب طاحنة بين جيوش وليس ثمنا لجيش يحارب شعب أعزل ، ذلك الجيش الذي ظهر كعدو حقيقي للثورة مدافعا عن نظام عسكري غاشم إستحل البلاد ونهبها لأكثر من ٦٠ عاما ولم يكن مبارك إلا أحد أضلاعه وليس السيسي إلا وجها جديدا فاشيا لنفس النظام ، 

وعلي هذا فحسابات الخسارة والمكسب وسيناريوهات التغيير المتوقع والفعل ورد الفعل تثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الثورة ضد الإنقلاب تدفع ثمنا باهظا في مقابل مكاسب ليست متوافقة مع هذا الثمن ولأن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار فيجب أن تتطور الثورة المصرية وبسرعة لمرحلة جديدة يكون فيها الثمن علي قدر المكسب ، بل وترسم إستراتيجية تعوض الثمن الباهظ الذي قد دفع ويدفع كل يوم ، تلك الإستراتيجية يجب أن تتطور لتحدد العدو وأذرعه وتقضي علي العدو وتقطع تلك الأذرع كل يوم وفي كل ساحة ، فدرس أوكرانيا التي أسرت أفراد الأمن قتلة الثوار ، هو درس يستحق البحث خاصة مع وصفهم من قبل الثوار ، بأفراد الأمن المتطرفين وهذه حقيقة واقعة ففرد الأمن أو الجيش الذي يقتل طلبة وبنات وأطفال عزل هو إرهابي متطرف يهدد السلم الإجتماعي ويقضي علي الأمن والأمان ،  وأحداث مصر خير دليل وشاهد علي إرهاب الدولة التي لم تراع إلا ولا ذمة في مصري ولا مصرية طفل كان أو شيخ ، 

فالسبيل الوحيد لنجاح الثورة المصرية والقضاء علي الإنقلاب العسكري وعودة الشرعية للشعب وإنقاذ البلاد من خطر التقسيم وخطط الفتنة التي يرعاها الإنقلاب ليل نهار هو الإستفادة من درس إوكرانيا ومن قبله درس ثورة يناير المجيدة ، فلا ثمن أكثر مما دفع ولا عيش إلا عيش الكرامة ، 
عاشت مصر حرة مستقلة بشعبها وثوارها ويسقط حكم العسكر ، حكم من طغي وتكبر ، 

الدكتور حسام الشاذلي هو المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير ، والرئيس التنفيذي  الحالي لمجموعة سي بي آي الدولية السويسرية العملاقة ، أستاذ إدارة التغيير والتخطيط الإستراتيجي بجامعة كامبيردج المؤسسية ، وكيل مؤسسي حزب ثوار التحرير ، وعضو المكتب التنفيذي للقوي الوطنية ورئيس القسم المصري بالهيئة الدولية للمفوضيين وعضو المكتب التنفيذي لحركة مصريين حول العالم من أجل العدالة والديمقراطية بأوروبا ، 

Comments

Popular posts from this blog

مبادرة واشنطن - بين الأمل والسراب وفن صناعة التغيير .....بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير ،

جيم أوفر - Game Over - بقلم الدكتور حسام الشاذلي المستشار السياسي والاقتصادي الدولي

"من عجائب المعارضه المصريه في هذا الزمان - بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، ا