'وثيقة بروكسل وبيان القاهرة ، بين النظرية والتطبيق '، بقلم الدكتور حسام الشاذلي المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير ،

وثيقة بروكسل وبيان  القاهرة ، بين النظرية  والتطبيق  

بقلم الدكتور حسام الشاذلي 
المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير ، 


يبدو أن وثيقة بروكسل وبيان  القاهرة يمثلان حجرا زاوية في الحراك السياسي والإستراتيجي ضد الإنقلاب في مصر ، ولا يمكن بأي صورة من الصور الإختلاف علي كونهما يصبان في نفس الغاية ويعملان علي تحقيق نفس الهدف ولا يمكن إلا التأكيد بأن كل من عمل ويعمل في إطار كل من المبادرتين هو من الشخصيات الوطنية الحرة والتي تسعي لتحرير مصر من براثن الحكم العسكري ، ولكن إذا تعددت المبادرات ولم تلمس النتائج فإنه من الأهمية بمكان أن نتوقف بالتحليل والتمحيص لنحاول أن نجيب علي بعض التساؤلات التي تدور حول المبادرتين والدور الممكن أو المتوقع لأي منهما في التأسيس لحراك فاعل ضد الإنقلاب ، وذلك من خلال محاور مشتركة ، 

الإطار التأسيسي : 
من الواضح والجلي أن الإطار التأسيسي من حيث الهدف المشترك والعوامل المحفزة وأهداف المرحلة يحمل الكثير من التشابه والإنسجام العام ولكن آلية المبادرة ومكان خروجها والشكل النهائي للإعلان عنها ، إختلف تماماً فقد صدرت وثيقة بروكسل علي عجالة واضحة وبدون إعداد جيد وتم إخراجها بصورة لم تحقق أهدافها محلياً ولا دوليا حتي علي مستوي إعداد المؤتمر وإعلان الوثيقة نفسها ، وهذا بالرغم من إشتراك بعض الشخصيات ذات الثقل السياسي الكبير في مؤتمر الإعلان والذي يتضح من النظرة الأولي أنه قد خرج بدون إعداد كامل حتي لأبسط معايير التواصل يما يتعلق بالصورة الذهنية للإعلان وقراءة الوثيقة والتسويق الإعلامي لها ،

أما علي الجهة الأخري فقد خرج بيان القاهرة بدون توقع ولكنه ظهر كعمل مدروس مخطط يخرج من أرض المعركة ومن داخل مصر مما أضاف إلي قوته الإعلامية والتواصلية محلياً ودوليا ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل الفرق الواضح بين مهارة وحرفية الإعداد وصياغة المضمون السياسي بين بيان القاهرة ووثيقة بروكسل فقد كان بيان القاهرة في قمة التميز والحرفية وقد يمكن أن يعزي هذا لتميز التشكيل الثلاثي لمجموعة إصدار البيان بين أستاذ رائد في العلوم السياسية وشاعر مرموق مفوه وسفير خبير محنك ، وبالرغم من كون التشكيل العددي لبيان القاهرة محدود فقد فاق تأثيره التشكيل الأكبر لوثيقة بروكسل ، 

القواعد الحاكمة : 
أما عن القواعد الحاكمة ويقصد بها هنا القواعد التي تحكم أي إتجاه تنفيذي لإستراتيجية العمل الموضوعة ، فقد تفوقت وثيقة بروكسل في ساعتها الأولي علي بيان القاهرة فقد كان رد الفعل قويا ومؤثرا ورأت فيه كثير من القوي السياسية طوق نجاة للثورة ، فتسارعت ردود الأفعال المؤيدة وظهرت النوايا الحسنة بين أطراف الخصام الثوري وقد كان هذا نتيجة مباشرة لكون أولي كلمات الوثيقة قد خرجت من شخصية غير محسوبة علي تيار بعينه وكان دور أيمن نور رائعا في هذه المرحلة ،
أما المشكلة العضال والتي يبدو أنها تطارد تحالف دعم الشرعية في كل مكان فهي عدم القدرة علي إتمام المبادرات ولا تحويل الرؤي الجيدة لواقع تنفيذي ملموس فما لبثت دفة الأمور أن إختلفت وما لبثت الصراعات الإعلامية تتوالي حتي تحولت الوثيقة لمجرد بيان أو رؤية في مؤتمر صحفي ، 
ويبدو أن هذا الواقع الأليم يمكن تفسيره دائما في عدم قدرة الفريق المخول بالمفاوضات والتنسيق وخلق الأرضية المشتركة والإعداد لإستراتيجية توافقية علي إستكمال مهامه وخاصة مع العلم بأن المهارات المطلوبة لوضع الإطار الإستراتيجي تختلف تماماً عن تلك المطلوبة للتنفيذ العملي وتحقيق النتائج ، إضافة إلي حقيقة أن فرق بروكسل يحارب حربا دروسا من دولة بكامل أجهزتهافي كل مكان وعلي كل صعيد ،أضف إلي هذا عقيدة بعض المجموعات بأن كل تغيير يجب أن يدور في فلكها ويخرج من تحت عباءتها السياسية وهو أسلوب معيق للنجاح وقد ثبت فشله كليا قبل الإنقلاب وبعده ، 

أما بيان القاهرة فقد قدم إطارا فضفاضا للقواعد الحاكمة كان أقوي ما فيه أنه ركن للقوي الثورية من كل الأطياف في الشارع مما أعطاه تتابعا قويا وخلق قوة دافعة مركزية من الممكن أن تؤدي لنتائج أفضل بكثير ، ولكن تبقي معضلة رسم خريطة التوافق بين الإخوان والتيار الإسلامي وباقي القوي الثورية مثل ٦إبريل والإشتراكيين الثوريين وغيرهم ويتميز بيان القاهرة بطبيعته الميدانية والتي تصنع توافقا أقوي وأبقي من طاولات الحوار السياسي وحوارات المخضرمين والمحللين السياسين كون الأول ينبع من قوة أخوة الدم والتضحية والفداء والتي تجلت في أقوي وأشرف صورها في حراك مصر الثوري بعد الإنقلاب ، 

إستراتيجيات التنفيذ: 
أما عن القول الفصل في المقارنة بين النظرية والتطبيق فتتجلي في القدرة علي وضع إستراتيجيات واضحة بآليات مجددة للتنفيذ وصنع ظهير إعلامي وثوري لمساندة هذه الخطوات علي أرض الواقع ، ويبدو أن بيان القاهرة قد نجح في رسم الخطوط الأولي لتلك الإستراتيجية وقد وفر مناخا بدأت قوي كثيرة تتجمع من خلاله وظهر ذلك في دعم صفحات التواصل الإجتماعي وفي مساندة كل القوي لخطوات التنفيذ ، ولكن هناك دائماً فرق كبير بين التخطيط الجيد والتنفيذ الإستراتيجي الفاعل علي أرض المعركة ،

ولهذا فرؤيتي كأحد العاملين بهذا المجال لزمن طويل أن إسترتيجيات التنفيذ في المرحلة القادمة يجب أن تبني علي المحاور الآتية: 
١. إعتبار بيان القاهرة هو الإمتداد الحي لوثيقة بروكسل وتحرك جميع القوي من نقطة إنطلاق البيان ومن داخل القاهرة وخارجها 
٢. أن تعمل كل مجموعات بروكسل مع مجموعات القاهرة من أجل إزالة حدة التوتر بين القوي الثورية كمرحلة أولي تتبعها خريطة توافقية تعلو فيها مصلحة الوطن علي أي رؤية أو مصلحة حزبية أو سياسية 
٣. أن يتم تكوين فريق تفاوضي بمهارات متميزة أهم ما فيها هم المصداقية عند مختلف الأطراف وغياب التاريخ المحسوب علي المواقف الشخصية أو السياسية المتطاحنة والمواجهات السابقة المحسوبة 
٣. تكوين فريق أصغر عددا من الحكماء الداعمين لفريق التفاوض للعمل كدرع واق وظهير مساند لضمان توازن المفاوضات وإجهاض محاولات إفشالها و بصورة فورية وحرفية 
٤. أن يتم إعطاء شرعية رسمية لهذا التحرك بتفويض واضح من رئيس الجمهورية المنتخب يجعل الحراك الثوري والسياسي الناتج هو حراك شعبي سياسي ذو شرعية محلية ودولية 
٥. رسم خريطة إستراتيجية واضحة للحراك الثوري بمراحله المختلفة وآليات التصعيد الملائمة وعناصر الضغط مع تحديد تواريخ واضحة بعضها معلن من أجل صنع ٢٥ يناير الجديد 
٦. أن يكون للميدان دور واضح في صنع التوافق والعمل المشترك وأن يتم التخطيط لفاعليات تساعد في خلق هذه المنظومة وبسرعة جيدة ومحسوبة ترتبط بالفاعليات الثورية اليومية والأسبوعية 
٧. أن يتم العمل من خلال منظومة إستراتيجية متجانسة ومتوازنة لا يسيطر عليها فريق ولا يحكمها إتجاه بعينه إلا الإتجاه الإستراتيجي للحراك المتفق عليه ، 


إن بيان القاهرة ومن قبله وثيقة بروكسل يمثلان محوران هامان في صناعة إستراتيجية إسقاط الإنقلاب وإعادة المسار الديمقراطي عن طريق جمع قوي ٢٥ يناير من جديد تحت مظلة ثورية واحدة ، ولكن يتبقي دائماً التحدي الكامن في قدرة القائمين علي الأمر علي خلق مركز للإنطلاق المتجانس عن طريق وضع آليات تنفيذية تدعمها فرق ماهرة ليس فقط علي الصعيد السياسي والثوري ولكن علي صعيد التواصل البشري والتخطيط الإستراتيجي وصناعة التوافقات وإدارة التغيير ،
 


الدكتور حسام الشاذلي هو المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير ورئيس المكتب السياسي للجبهة الدولية لتحرير مصر - إيفلي - ، والرئيس التنفيذي الحالي لمجموعة سي بي آي الدولية السويسرية العملاقة ، أستاذ إدارة التغيير والتخطيط الإستراتيجي بجامعة كامبيردج المؤسسية ومساعد العميد السابق للتخطيط الإستراتيجي والتنمية بكلية حائل بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن ، وكيل مؤسسي حزب ثوار التحرير ، وعضو المكتب التنفيذي للهيئة التنسيقية للقوي الوطنية ورئيس القسم المصري بالهيئة الدولية للمفوضيين والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية



Comments

Popular posts from this blog

مبادرة واشنطن - بين الأمل والسراب وفن صناعة التغيير .....بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير ،

جيم أوفر - Game Over - بقلم الدكتور حسام الشاذلي المستشار السياسي والاقتصادي الدولي

"من عجائب المعارضه المصريه في هذا الزمان - بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، ا