دعوة للتفكير ! الحلقة الثالثة "الثالث من يوليو " سلسلة حلقات تحليلية متخصصة بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير

دعوة للتفكير ! الحلقة الثالثة 
"الثالث من يوليو " 
سلسلة حلقات تحليلية متخصصة 
بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير

يبدو أن الأحداث المتلاحقة والمشتعلة علي الساحة المصرية لا ولن تترك لنا مجالا للتحليل التأريخي أو الموجه ولكن عجلة الأحداث ومسارها توجه دفة الحلقات وتأخذ بناصية الموضوعات ، فمع إنتهاء هذا اليوم المشتعل في تاريخ البلاد يستعيد المرأ ذكريات الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١ وذكريات يوم الغضب الكبير ،
فلنوقف معا عقارب الساعة وليتوقف الزمن لكي نقف بالتحليل والتمحيص لما حدث ويحدث في مصر اليوم والغد ولنطلق دعوة للتفكير محاطة بقواعد الحيادية والمنطق تفرضها تلك السلسلة علي كاتبها وقرآئها منذ حلقتها الأولي ، فإذا كانت الأخلاق قد ضاعت في شوارع مصر وحواريها وعلي أسوار نواديها ، فنحن هنا نعيد الأصول والقواعد ومكارم الخلق وحسن الأدب بين هذه السطور وتلك الكلمات ، فمرحبا بك إن كنت من هؤلاء ممن يرون أن الأمم الأخلاق ما بقيت ، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا، وبعدا لك إن كنت من فصيل لا يعظم مكارم الأخلاق وحسن الأدب والحوار ، 

يطل اليوم علينا وقد إمتلأت الشوارع صباح مساء بمظاهرات ومسيرات وهتافات وفاعليات ، قطع طرق وأعمال عنف وملوتوف يلوح من جديد وأقسام تهاجم ومدرعات تحرق ودخان يتصاعد ليملأ الفضاء بأسئلة كثيرة ، 
لماذا نزلت هذه الحشود ولماذا يعم الغضب البلاد من جديد ؟
وهنا يجب أن أنصحك بأن تحتوي تأثير الإعلام المصري الفاشل وتخرج فضلاته من أم رأسك فلا يمكن أن تستعمل تلك الكلمات الفارغة ، إخوان ، مغيبون ، خونة ، أجندات ، عملاء ، إرهابيون ومأجرون ، فتلك المفردات العقيمة لم تستعمل في التاريخ إلا لتقمع ثورات الشعوب أو لتضليل الناس وصناعة الكذب ، ولا يختلف عاقلان في مصر علي كون رموز إعلامنا المعاصر هم كهنة الكذب وصناع الأوهام ، فهم يتعبدون في محراب الخسة والتلون ويحملون راية النفاق وتقديس المال والسلطة ، كلهم أصحاب تاريخ لا يخلوا من النفاق والتملق وتقبيل الأقدام قبل الأيادي وكلهم يتحدثون عن الفقراء ومحدودي الدخل ويكنزون الملايين من قوت الشعب كل يوم ، 

فلماذا ينزل الناس ولماذا يغضبون ، هل هو الفقر والضنك ، أم غياب الخدمات وإنقطاع الكهرباء حتي في رمضان ، هل هي البطالة والرشوة والمحسوبية ، أم إنتشار دولة البلطجة وحكم الروسيه ، هل هي شراسة الأمن وتوحش أفراده ، أم هو الأقتصاد المتهاوي ، والخداع المتلاوي ، هل هي حكومة العواجيز ، أم نظام الطبقة الحاكمة ومليونيرات الصدفة ، هل هو أمل مات قبل أن يولد ، أم هي مرارة الظلم والطغيان ، هل هي بلد لا تجد قوت يومها فتوظف توني بلير حليف الصهاينة ومهندس تقسيم العراق كمستشارها السياسي ، أم هو علاج الإيدز بالكفتة ، أم هو كل هذا وذاك ! 

لا بد ولا مفر من أن نعي بأن كل ما تمر به مصر وكل مايحدث وسيحدث في الأيام القادمة هو دليل حي كاف بأننا لا نسير علي الطريق السليم وبأننا قد ضللنا الدرب وجانبنا الصواب ، بل ويبدو جليا أن هناك من يجر هذه البلاد لأتون فتنة لا تبقي ولا تذر ، رسم خطته علي أن يكون جيشها ومصدر عزتها هو وقود هذه الفتنة ، فأصبح الجيش وغرفة العمليات مشغولة بتأمين الميادين والكر والفر وراء المتظاهرين ، وشئت أم أبيت فقد فقد الجيش مكانته عند فئة عريضة والأمر يزداد سوءا كل يوم ، فالقاعدة الذهبية لا تتغير ، إذا أردت أن تدمر جيشاً فلتقحمه في السياسة الداخلية ، ولا يهم في هذا المجال إن كنت سيسي ولا إخوان ، فمصر فوق الجميع وإذا سقطت البلاد فكلنا الضحية وكلنا سندفع الثمن ، وكلنا في العدم سواء ، 

وأكثر ما يجب أن يقلقكم قبل أن يقلقني هو أن أعدي أعدائنا وقاتل أبنائنا يري أننا علي الصواب بل ويشجعنا علي السير في هذا الطريق وسلوك هذا المنوال ، فهل تحولت إسرائيل لحليفنا الجديد وهل أصبحت دولة بني صهيون بين يوم وليلة ملاك الرحمة الذي يتمني لمصر الخير والأمان ويشاركها في صناعة مستقبل الرخاء والإستقرار وكان يا ما كان ! ،
قد يجوز هذا إذا تكلم أبو الهول ، أو إذا إنطبقت السماء علي الأرض ، أو تحولت السنة لفرض ، فإذا كان المتحدث مجنونا ، فالمستمع عاقل ! حتي الآن ! و يا مثبت العقل والدين ! 

عندما تري زهرة شباب مصر ومتفوقيها وأنبغ أساتذتها وأفضل علمائها وخريجيها يقتلون في مسيرات أو يعتقلون من مظاهرات فيجب أن نستبدل المنطق ونغير سياسية تنمية المجتمعات ، ففي المجتمعات المتقدمة يعتبر هؤلاء هم العقل الجماعي للمجتمع ، أي أن قدرتهم علي الوعي والإدراك بما هو أفضل وأحسن لمستقبل الأمة هو أعلي من قدرة باقي الفئات والتي ليس لها نفس النصيب من العلم أو الذكاء ،
ولكن المنطق المقلوب في مصر يجعل من كان طالبا فاشلا أو إنسانا محدود القدرات الذهنية يتولي قيادة أرفع المناصب في القضاء والأمن والإدارات العامة والمناصب الحساسة وسلم لي علي الوسطة واللي له ظهر ما ينضربش علي بطنه ، وفوق من الغيبوبة والنصبه المنصوبه ، ولا نقفل كليات القمة علشان كلها إخوان ونجيب دكاترة وأساتذة جامعات من الصين واليابان ، 

وهنا تتجلي قمة الجهل والغباء ، فحقيقة الأمر أن المجتمعات الواعية تركز علي تمكين الكتلة الممثلة للعقل الجماعي المتفوق من قيادة البلاد حتي يتحقق الرخاء وتتقدم الأمم ، ويعيش الجميع في مستوي راق ومناسب ،فقد أكون أغبي الأغبياء إذا أصررت علي إدارة مؤسستي وأنا لست أهلا لذلك مع وجود من يستطيع أن يديرها لي ويجعلني أغني الأغنياء ،
وهنا تكمن إجابة أخري تتعلق بالبلادة الفكرية والتدني الأخلاقي الذي تعيشه البلاد ، فقد غابت النخوة وتغيرت معايير الأخلاق ، فتري الناس تتحدث عن حوادث القتل والإغتصاب ولا يهتز لها رمش ولا تتحرك لها مشاعر ، وهذا كله نتيجة خروج الأمور من إطارها الصحيح وإنقلاب الموازين وغياب الأشياء عن فطرتها السليمة فتري مخترع صغير يهرب ومخترع جامعي يعتقل فهل هؤلاء من حباهم الله بالعلم والذكاء هم فقط أغبياء عندما يعبرون عن رأيهم السياسي أو قناعتهم المجتمعيه ، أم أن الحقيقه أننا نحن الأغبياء ونريد أن نصنع مجتمع يماثلنا التفكير والقدرات يقودنا فيه الجهلة والفنانين والفنانات لكي نجد من يصفق لنا بأننا علي صواب ، حتي وإن عشنا في ضنك وخراب ، 

وحقيقة الأمر أن بداية التغيير تنبع من قدرتنا علي إدراك حقيقة البناء المجتمعي وتعظيم الأخلاق والمبادئ ، فغياب الفساد والتأصيل لمجتمع أخلاقي تسانده الفطرة الدينية السليمة هو أساس لا بديل عنه لبناء مستقبل أفضل ، 

وعندما يأتي اليوم الذي ينتخب الشعب رئيسه وعضو برلمانه ورئيس جامعته ومدير الحي وعضو النقابة علي أساس العلم والخلق وطهارة اليد وإنكار الذات سيكون هذاهو أول يوم في تاريخ مصر الجديدة ، مصر العدل والرخاء والديمقراطية والأمان ، فهل نعيش سويا لنري هذا اليوم ، سؤال بلا جواب ، وزمن بلا حساب ، ولكن ما زال الأمل معقود بنواصي الفهم والوعي والتفكير والعلم، فالنعمل سويا لنربي جيلا جديدا يفهم ويعي ويدرك ولا يدرك ، يغير فيتغير ، إعقلوها يا بني أهلي ووطني ، فالأمر جل خطير والسماء لا تمطر عقلا ولا فهما والأرض لا تطرح وعيا ولا فكرا. 

Comments

Popular posts from this blog

مبادرة واشنطن - بين الأمل والسراب وفن صناعة التغيير .....بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، المستشار السياسي والخبير الدولي في إدارة التغيير ،

جيم أوفر - Game Over - بقلم الدكتور حسام الشاذلي المستشار السياسي والاقتصادي الدولي

"من عجائب المعارضه المصريه في هذا الزمان - بقلم الدكتور حسام الشاذلي ، ا